اللغات المتاحة للكتاب Indonesia English

360 ــ باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مَفسدةٌ من إعجاب ونحوه ، وجوازه لمن أمِنَ ذلك في حقه

1/1788ــ عَنْ أَبي مُوسَىٰ الأشْعَرِيّ رضي الله عنه قَالَ: سَمعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُثْنِي عَلَىٰ رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في المِدْحَةِ، فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ». متفقٌ عليهِ.

«وَالإطْرَاءُ»: المُبَالَغَةُ في المَدْحِ.

2/1789ــ وَعَنْ أَبي بكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَكَ ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» يقُولُهُ مِرَاراً: «إنْ كانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إنْ كَانَ يَرَىٰ أَنَّهُ كَذلِكَ، وَحَسِيبُهُ الله، وَلاَ يُزَكَّىٰ عَلَىٰ الله أَحَدٌ». متفقٌ عليه.

3/1790ــ وَعَنْ همَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ المِقْدَادِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثمَانَ رضي الله عنه، فَعَمِدَ المِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَىٰ رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْثُو في وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». رَوَاهُ مسلم. هذِهِ الأحَادِيثُ في النّهْيِ، وَجَاءَ في الإبَاحَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.

قَالَ العُلَمَاءُ: وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحَادِيثِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ المَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَالُ إيمَانٍ وَيَقِينٍ، وَرِيَاضَةُ نَفْسٍ، وَمَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِحَيْثُ لاَ يَفْتَتِنُ، وَلا يَغْتَرُّ بِذلِكَ، وَلا تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَإنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هذِهِ الأُمُورَ، كُرِهَ مَدْحُهُ في وَجْهِهِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَعَلَىٰ هذَا التَّفْصِيلِ تُنَزَّلُ الأحَادِيثُ المُخْتَلِفَةُ في ذلِكَ. وَمِمَّا جَاءَ في الإبَاحَةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه: «أَرْجُو أَنْ يكُونَ مِنْهُمْ» أَيْ: مِنَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لِدُخُولهَا، وفي الحَدِيثِ الآخر: «لَسْتَ مِنْهُمْ». أَيْ: لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ خُيَلاَءَ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ رضي الله عنه: «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكاً فَجّاً إلَّا سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ» وَالأحَادِيثُ في الإبَاحَةِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أَطْرَافِهَا في كِتَابِ: «الأَذْكَارِ».

غريب الحديث:

يحثو: يرمي. الحصباء: صغار الحصىٰ.

هداية الأحاديث:

1) المدح يكون علىٰ سبيل حسن الظن بالممدوح، لا علىٰ سبيل الجزم والقطع.

2) سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق سُنّته، ويظهر ذلك في فعل المقداد، واستجابة عثمان وإقراره رضي الله عنهما. فاحرصْ علىٰ أن تقتدي بهدي خير هذه الأمة رضي الله عنهم.

فائدة:

هل يُستحسن للمرء أن يمدح أخاه بما هو فيه أو لا؟

هذا له أحوال:

ــ الحالة الأولىٰ: أن يكون في مدحه خيرٌ وتشجيعٌ له علىٰ الأوصاف الحميدة والأخلاق الفاضلة، فهذا لابأس به، لكن من غير مبالغة، وهو داخل في قوله تعالىٰ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ}.

ــ الحالة الثانية: أن تمدحه لتبين فضله بين الناس، كقولهصلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «أرجو أن تكون منهم»، ولعمرَ رضي الله عنه: «ما رآك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجِّك».

ــ الحالة الثالثة: أن يمدحه بما هو فيه، ليلبي له أمره أو يقضي له حاجته، فهذا جائز دون المبالغة في المدح، لأثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيراً، فإنما له ما قُدِّرَ له، ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه، فيقطع ظهره». والله أعلم.

ــ الحالة الرابعة: أن يمدحه بما هو فيه، لكنْ يُخْشىٰ أن يغترَّ الإنسان الممدوح بنفسه ويترفع علىٰ غيره، فهذا أيضاً محرم لا يجوز.

ــ الحالة الخامسة: أن يمدحه ويغلو في إطرائه، ويصفه بما لا يستحق، فهذا محرم، وهو كذب وخداع وضرر علىٰ المادح، والممدوح، والسامع، والله أعلم.